شمس الدين الشهرزوري
568
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
الوجه الثاني : إنّ العلة التي لأجلها تعلقت النفوس بالأبدان إنّما هي لأجل الاستكمال بها لكونها بالقوة ؛ فتخرج بذلك التعلق بالأبدان واستعمال آلاتها من القوة إلى الفعل ؛ فإذا اتفق مفارقة بعض النفوس للبدن غير مستكملة به « 1 » بل هي جاهلة سيئة الخلق لم تخرج إلى الفعل . بل كانت أنحس وأنحس حالا ممّا كانت عليه في أوّل فطرتها ؛ فإنّها كانت في أوّل فطرتها ساذجة وبعد التعلق والمفارقة عنها حصل لها المعتقدات الفاسدة والأخلاق الذميمة فهي أحوج إلى التعلق بالأبدان ممّا « 2 » كانت في أوّل فطرتها . فلا جرم تحتاج إلى التعلق بأبدان أخرى بعد مفارقة أبدانها ، لأنّ الحكمة التي لأجلها وجب التعلق بالأبدان - وهو الخروج من القوة إلى الفعل - موجودة في هذه النفوس التي فارقت غير مستكلمة بالفضائل ؛ فهي أشد انجذابا إلى « 3 » الأجرام ممّا كانت في أوّل فطرتها ؛ فوجب أن تتعلق بعد المفارقة بأبدان أخرى تستكمل بها وتتطهر من تلك الرذائل التي اكتسبتها في تلك الأبدان وتخرج من القوة إلى الفعل . الوجه الثالث : لو لم يكن انتقال النفوس الغير الكاملة من الأبدان الإنسانية إلى أبدان أخرى من سائر الحيوانات حقا ، لما أمكن تعذب الجّهال والفسّاق وذوي الأخلاق السيئة والملكات الرديّة بعد الموت ، والتالي باطل فالمقدم مثله . وبيان اللزوم أنّ هذه الأنفس الناقصة ، كنفوس الجهّال والفسّاق والأشرار وغيرهم من ذوي الملكات الردية يرون الأمور المغيبة في النوم أو عند فراغ في اليقظة أو زوال مانع كالممرورين ، فيشاهدون المغيبات المتعلقة بالجواهر العلوية والكائنات السفيلة فيخبرون عن الحوادث الواقعة في الزمان الماضي وينذورن عن الكوائن التي تقع في الزمان المستقبل ويتلذّذون بما يشاهدونه هناك من تلك الجواهر الحسنة المثالية والمعاني المستحسنة العقلية والنفسية ؛ وليس ذلك إلّا لاتصال نفوس هؤلاء الأشرار والجهال
--> ( 1 ) . د : - به . ( 2 ) . ش : فما . ( 3 ) . د : الأبدان و .